سياقات

الجمعة,آذار 21, 2008


بسم الله الرحمن الرحيم

حسبي ربي

اللهم إني أعوذ بك من حرمان التوفيق

 

خصوصية بلاغة القرآن الكريم

( 1 )

لا توجد قواعد بلاغية ثابتة تصلح للتطبيق على كافة الظواهر ، والقاعدة المستنبطة من استقراء خطاب معين لا تصلح بالضرورة للتطبيق على سائر أنواع الخطاب ، ومن ثم لزم أن تتسم القاعدة البلاغية بالمرونة والنسبية ، وهذا يعني أن تطبيقها تطبيق نسبي ، أي يختلف من ظاهرة إلى أخرى ، كما يختلف في الظاهرة الواحدة من خطاب إلى آخر .

فالظواهر قد تكون واحدة على مستوى التصنيف والتعريف ، ثم تكون القوانين التي تحكم تعريفها وتصنيفها واحدة ، ولكن في عملية التطبيق والتحليل نجد أنه من أهم الخطوات المنهجية أن يراعي المحلل خصوصية السياقات ، كما يراعي خصوصية أنماط الخطابات المختلفة ، ومن هنا نقول إن التحليل البلاغي يقوم على تتبع الظواهر ، وليس على تطبيق القواعد على الظواهر ، فإذا اقتصر الدرس البلاغي على تطبيق القواعد على الظواهر فسيؤدي ذلك إلى استمرار الجمود والعقم ، إذ سيقف بالدرس البلاغي عند حدود التماس الشواهد والأمثلة ، ثم إنه سيحول ـ وهذا هو الأخطر ـ دون الالتفات إلى دراسة خصائص الظواهر البلاغية في الاستعمال الفعلي في الخطابات المختلفة .

وهذا يعني أن كل ما اكتسبته من معرفة بالقواعد والقوانين والتصنيفات والتقسيمات إنما هو خلفية معرفية تساعد في تكوين خبرة مكتسبة وتنمية مهارة وتحقيق ملكة تتكون بالدربة والمران ، وتؤهل المحلل البلاغي لعملية تتبع الظواهر ، التي هي : تتبع خواص الأساليب البلاغية في أنماط الخطاب المختلفة .

ومن ثم يصبح من أهم أهداف التحليل البلاغي الوقوف على خصوصية أنواع الخطاب المختلفة بإجراء التتبع الوصفي للظواهر في النص أو النصوص موضوع الدراسة ، ثم إن عملية التتبع تمر بمراحل :

1 ـ رصد الظواهر وتصنيفها ، ويدخل الإحصاء أساساً جوهرياً في خطوة الرصد .

2 ـ تحليل الظواهر ، ويضمن تحليل نتائج الإحصاء .

3 ـ تعليل الظواهر ، وربطها بالغاية وبالسياق .

إن التفكير البلاغي العربي لم يضطلع بهذه الرؤية المنهجية في الدرس البلاغي ، فانصرف أكبر جهد الدرس البلاغي العربي إلى تقعيد القواعد والتماس الشواهد ، وقد تبع ذلك  الحكم بالقيمة : الاستحسان والاستهجان ، الجودة والرداءة ، وبخاصة في التناول النقدي للنصوص وفق معايير البلاغة ، ولك في كتابي الموازنة للآمدي والوساطة للقاضي عبد العزيز الجرجاني أوضح شاهد على هذا ، وقد كان مسار التفكير البلاغي العربي في هذه المعالجات شاخصاً إلى الخطاب الشعري ، فإن القاعدة البلاغية استنبطت من الخطاب الشعري ، كما أن مساري التحليل والحكم بالقيمة كذلك ، والخطاب الشعري هو خطاب احتفالي غايته الإمتاع ، فكيف تطبق على خطاب حجاجي غايته الإقناع ؟

إنها سيادة سلطة الظاهرة البلاغية الشعرية ، التي ترتب عليها سيادة سلطة القاعدة المستنبطة منها ، وسيادة نهجها في التحليل والتقييم .

لعل هذا المسلك في التفكير البلاغي العربي مرجعه إلى أن الأمة العربية أمة شعرية بالدرجة الأولى ، فمما لا شك فيه أنها أمة أكثر تراثها شعري ، إذ من الثابت المحقق أن الشعر هو فن العربية الأول ، بل هو ديوان العرب كما ذاع في المقولة الشائعة : " الشعر ديوان العرب " ، وهذه المقولة لها دلالتها في الإعلاء من قدر الشعر والاعتراف بسلطته ، ونقصد بالسلطة هنا سلطة العاطفة على العقل ، فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنها كانت أمة تفكر بمشاعرها ، عاطفتها أسبق من عقلها ، وإن الخطاب الشعري منبعه الخيال والتخييل ، ومساره المبالغة ، وغايته الإمتاع وتحقيق الغاية الجمالية الخالصة ، فمن الحقائق التاريخية أن هذه الأمة كانت تدرك العالم شعراً ، وتتواصل مع الأشياء شعراً ، وغابت عنها نظرة العالِم أو الفيلسوف .

وقد ظل الشعر خطاب هذه الأمة حتى ظهور الإسلام ، ومن الحقائق التي لا أرى وجهاً للجدال حولها أن القرآن الكريم هو الذي دفع هذه الأمة إلى أن تفكر بعقلها ، وأن تتخلى عن شعريتها في النظرة إلى الأشياء ، ومن المفارقات الغريبة أن البحث البلاغي العربي مدين للبحث في القرآن الكريم ؛ إذ ارتبط الدرس البلاغي ببيان دلائل الإعجاز ، ثم استغرق بعد ذلك استغراقاً كبيراً في بلاغة الشعر ، يرجع ذلك في ظني إلى أمرين :

ـ لعل من أهم أسباب هذا المسلك في الانحراف بالدرس البلاغي عن القرآن إلى الشعر هو اهتمام النقاد ، فإن الناقد يقوم عمله على الشعر ، فهو مادته المدروسة بلا جدال ، وقد اتخذ النقاد البلاغة أداة نقدية ـ كما أسلفت لك ـ في مقاربة النصوص الشعرية ، فذاع اهتمامهم الشعري وذاعت معه الرؤية البلاغية للشعر .

ـ كما يرجع ذلك أيضاً إلى أن الاهتمام بالقرآن قد سلك مسارات أخرى في العقل العربي ، وهذه المسارات قد أفرزت علوماً ومعارف متعددة ، فانصرف العقل العربي الإسلامي إلى الاهتمام بالتفسير ، وأسباب النزول ، والقراءات ، وإعراب القرآن ، واستنباط الأحكام من القرآن الكريم في الفقه ، وكيفية هذا الاستنباط وأسسه وقواعده في علم أصول الفقه ، وغير ذلك من العلوم والمعارف التي كانت أهم من الدرس البلاغي آنذاك .

وقد أشرنا في موضع آخر إلى أنه إذا كان الشعر سياقاً للقرآن الكريم فإن " السياق في اتصاله وانفصاله عن النموذج موضوع التحليل ومادته ، وفى درجات الاتصال المتفاوتة ، وكذا درجات الانفصال المتفاوتة ، يرتبط بالنموذج كما يرتبط النموذج به ارتباطاً وثيقاً سواء أكان هذا الارتباط ارتباط موافقة أم ارتباط مخالفة ، فالشعر العربي قبل الإسلام سياق للقرآن ، ولكن الارتباط بين الشعر والقرآن ارتباط مخالفة لما اتسم به النموذج القرآني من خصائص المخالفة ، وقد أكد القرآن الكريم على هذه المخالفة إلى حد دفع التهمة الشعرية عن القرآن ، وعن الرسول  r  " وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ " ( يس 69 ) ، " وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ " ( الحاقة 41 ) ، هذا من زاوية ، ومن الأخرى يعد ارتباط الشعر الجاهلي بوصفه سياقاً للقرآن الكريم ارتباط موافقة على المستوى التفسيري ، إذ نجد عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز يجعل من الشعر العربي السياق الذى يفهم فيه النموذج القرآني على مستوى الصياغة والتراكيب ، فقد ذهب إلى أن القرآن الكريم كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ، ومنتهياً إلى غاية لا يُطمح إليها بالفكر ، ثم ذهب إلى أنه من المحال " أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذى هو ديوان العرب ، وعنوان الأدب ، والذي لا يُشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان ، وتنازعوا فيها قصب الرهان ثم بحث عن العلل التي كان بها التباين في الفضل ، وزاد بعض الشعر على بعض " [1] ، فتواؤم النص مع السياق هنا يعنى أن السياق يحمل مسوغات الفهم وإن كان لا يحمل مسوغات الموافقة ." [2] بل يحمل الخصائص المخالفة التي تحتم علينا القول بأنه من الضرورات المعرفية أن تختلف آليات قراءة الشعر عن آليات قراءة القرآن تفسيراً وتحليلا وتأويلا ، ومن الضروري أن يضع المحلل نصب عينيه هذه المفارقة ؛ لأن تحليل القرآني بآليات الشعري ضرب من الخلل بل الهذيان .

ومن المفارقات الدالة أيضاً أن البحث البلاغي الغربي عند اليونان القدماء كان أكثر انشغالا ببلاغة الحقيقة عن بلاغة الشعر ، فبلاغة الخطابة القضائية كانت أهم ما يشغل المُنظِّرين اليونانيين ، وكرهوا الإسراف في مبالغات الشعراء وتخييلهم ؛ لأن مسلك الشعراء هذا ضد الحقيقة ، والفيلسوف باحث عن الحقيقة ، ومن ثم ارتبطت البلاغة التزيينية التحسينية بسمعة سيئة في رؤية الفلاسفة اليونان ، وقد أشرنا في كتابنا : " مقدمة في نظرية البلاغة النبوية " إلى الاختلاف بين الرؤية العربية والرؤية اليونانية القديمة في العنصر المهيمن في الخطابة الحجاجية الإقناعية " فربما كانت للمنطق الأولوية عند اليونان فكان الاهتمام بالحجة ، في حين نجد الشعر علم العرب الذين لم يكن لهم علم أصح منه فكانت للأسلوب والعبارة الصدارة " [3] ، ولكننا نحترز هنا من أخذ هذا القول على إطلاقه ، فالأمر يختلف مع بلاغة الحديث النبوي الشريف تبعاً لاختلاف الملابسات السياقية على تنوعها وغزارتها ، ولخصوصية النص من حيث هو منطوق لغوى خاص في أسلوبه وغاياته ، والمفارقة التي نلفت إلى إبرازها هنا هو ما قيل عن الأصول اليونانية للبلاغة العربية ، وليس ثم من شك في هذا التأثر ، فنلاحظ أن البلاغة العربية تخلت عن جانب الاهتمام بالحقيقة الذي ساد في التفكير البلاغي عند الفلاسفة اليونانيين ، على الرغم من قيام الدرس البلاغي العربي أساساً على النص القرآني ، وهو بلا شك خطاب حقيقة ، ومن ثم نلفت هنا إلى أنه قد آن للبحث البلاغي العربي أن يتخلى عن شعريته لصالح الحقيقة ، فقد ظل زمناً غير قصير ثملا بهذه الشعرية ، مغيَّباً في تخييلها ومبالغاتها وإيغالاتها .

وتسألني : هل الدراسات البلاغية التي قامت على النص القرآني في العصر الحديث يصدق عليها هذا الحكم ؟ وكيف ؟

أقول لك إن هذه الدراسات هي السبب الجوهري في تقديمنا بهذه المقدمة التأسيسية ؛ لأنها انطلقت في دراسة بلاغة النص القرآني والحديث النبوي وغيرهما من خطاب الحقيقة بأدوات الخطاب الأدبي وإجراءاته ، غير واعية بخصوصية الظواهر في الاستعمالات المختلفة ، كما أنها انطلقت من القواعد المؤسَّسة على الخطاب الأدبي ولم أرها تنطلق ـ في الغالب الأعم ـ من الظواهر ، وقد كان من الممكن أن يكون التخلي عن أحد الأمرين حلا للأمر الآخر ، إذ لو انطلقت من الظواهر رصداً استقرائياً وصفياً وإحصاء وتحليلا ، ثم تعليلا مرتبطاً بغايات الخطاب وسياقاته ، لتبينت الخصائص النوعية الفارقة بين أنواع الخطاب ، وعكس ذلك صحيح أيضاً .

فلم يفرقوا بين صياغة القرآن وصياغة الشعر في تحليلهم للاستعارة والتشبيه والتمثيل وبلاغة التراكيب من تقديم وتأخير وحذف وذكر وغيرها ، كما أنهم لم يفرقوا بين خصوصية القصة في القرآن الكريم والفن القصصي الأدبي القائم على الخيال والتخييل ، الهادف إلى تحقيق غاية جمالية إمتاعية ، فقالوا بالعقدة والحل والسرد وغير ذلك من آليات تحليل القصة الأدبية وإجراءاته غير عابئين بالخصوصية القرآنية على مستويي الغاية والأداء ، وكأنهم ما علموا أن منابع الجمال تتباين إلى حد التناقض والتضاد ، ومن هنا نؤكد على حقيقة معرفية نكررها دائماً خلاصتها أن لكل خطاب بلاغته .[4]

وهذا لا يعني بحال من الأحوال أننا نتنكر لآليات وإجراءات منشؤها مقاربة الخطاب الأدبي ، ولكننا نتنكر لإجراء التطبيق السلبي الذي يخضع الظاهرة القرآنية لمقولات النظرية الأدبية أو مناهج التحليل ، ولعلنا بذلك نخلص إلى نتيجة أبعد وأعمق تتحدد في أن التطور في مقاربة الظاهرة اللغوية يتطلب من المشتغلين بالدرس البلاغي استثماراً لهذه الرؤى في تطوير الدرس البلاغي ، والرؤية البلاغية لتحليل النصوص ، بالإضافة إلى ما يمكن أن يطور به الدرس البلاغي نفسه ، " إذ بقدر ما تتطور معارفنا حول الطبيعة والنفس الإنسانية ، وكلما اكتسبنا سبباً جديداً يحملنا على أن نرى الأشياء من زاوية مختلفة ، فإن ذلك يدعونا إلى أن نضع المشكلات حين ندرسها بما يتفق وهذا الجديد من واقع العلم ، والمسألة القرآنية لا ينبغي لها أن تخرج عن هذه القاعدة " [5] ، وهذا يعني أن الدرس البلاغي لا يقف عند حد ولا يملك واحد فيه الكلمة الأخيرة ، وتأسيساً على هذه الحقيقة نقول إن أياً من المناهج الحديثة لا يملك أيضاً ما لا يملكه الدرس البلاغي ، أي أننا مع كل قراءة كأننا ننشئ منهجاً ، صحيح إن هذا المنهج لا ينشأ في فراغ ، فهو مرفود بالخبرة البشرية ـ وهي أكبر من أن تحد ـ المتجاوزة لحدود الزمان والمكان .

إن التصدي لمهمة تحليل النص القرآني يقع في مستوى من مستويات سياق التلقي ، وليس ثم من شك في أن متلقي الشعر يهدف إلى الاستمتاع ، أما متلقي القرآن فيتوزع بين الإيمان والعناد والكفر والشرك ، بين القبول والرفض ، والقبول والرفض لهما مراتب :

ـ منها قبول القرآن بوصفه نصاً جمالياً وإنكار أن يكون نصاً منزلا من عند الله .

ـ ومنها قبول القرآن نصاً جمالياً وإنكار أن يكون نصاً معجزاً .

ـ ومنها قبول القرآن نصاً منزلا من عند الله واستنكار أن يكون منزلا على محمد تحديداً .

ـ ومنها قبول القرآن نصاً منزلا من عند الله والإيمان برسالته وإعجازه .

إن الشعر بل الأدب ـ في تلقيه ـ خطاب خارج حدود التصديق والتكذيب ، خارج حدود الحقيقة ، فمعيار التصديق والتكذيب غير معمول به بل غير وارد على الإطلاق في تلقي الشعر ، بل معيار الاستحسان والاستهجان ، فوظيفة الأدب ـ في الغالب الأعم ـ جمالية إمتاعية خالصة .

والأمر مختلف في سياق تلقي القرآن ؛ فهناك فريق من الناس هدفهم التكذيب ، وهذا يعني أن خصوصية استعمال اللغة في القرآن تراعي هذا الموقف الضدي المأخوذ سلفاً من مستوى المعارضين لأمور العقيدة التي يقرها القرآن الكريم ، تلك العقيدة الجديدة البديلة المغايرة لعقيدتهم ، ولذلك فإن الأمر يتطلب نصاً فوق مستوى التكذيب ( فوق مستوى الطعن ) فوق مستوى الاتهام أو الإنكار ، وقد تحقق هذا في النص القرآني ، إذن نحن أمام نص قبله الذين لم يؤمنوا به على المستوى الجمالي والفني فحقق تواصلا معهم ، كما حقق على مستويات متعددة تواصلا عبر الإيمان به كتاباً معجزاً تشريعياً غير تاريخي ، أي لا تحدده حدود الزمان .

 

 ( 2 )

 

ما هي خصوصيات النص القرآني التي تدفعنا إلى القول بخصوصية بلاغته ؟

لعله من الأنسب أن نبدأ بالتساؤل : ما الخصوصيات التي تتوفر للاستعمال البلاغي للغة وتجعلها تختلف عن الاستعمال التواصلي اليومي ؟ ، فإن هذا السؤال يضعنا أمام فكرة البلاغة بشكل عام ، ثم ننفذ من هذا السؤال إلى سؤال آخر يتحدد في : هل تتفق الظاهرة البلاغية في أنواع الخطاب كافتها ؟ ، أي : هل تتفق الظاهرة البلاغية في الشعر والخطابة والرسائل والحديث النبوي والقرآن الكريم ؟

لو قلنا تتفق ، فهذا يعني أننا نسوِّي بين أنماط الخطاب المختلفة ، وهذا يعني أننا لا نفرق بين بلاغة القرآن وبلاغة الشعر مثلا ، ولو قلنا بهذا لما أصبحت هناك خصوصية لدراسة البلاغة القرآنية أو بلاغة الحديث النبوي الشريف ، إذن لن نقول بهذا ، وامتناعنا عن القول بهذه التسوية وانتفائها ، وامتناعنا عن القول بعدم التفريق يعني إقرارنا بأن هناك خصوصية للظاهرة البلاغية في كل خطاب ، ونبدأ بالإجابة عن السؤال الأول : ما الخصوصيات التي تتوفر للاستعمال البلاغي للغة وتجعلها تختلف عن الاستعمال التواصلي اليومي ؟ لأنه مقدمة ضرورية للإجابة عن الأسئلة الأخرى .

إن أول ما أود أن ألفتك إليه هو أن هذه الخصوصية تتعلق بالغاية من الكلام ، وعلى هدي من هذه الحقيقة ترى أن الاستعمال التواصلي اليومي لا غاية له إلا التواصل بين الناس عن طريق الوسيط اللغوي ، وهذا يعني أن اللغة وسيط وليست غاية ، فهي إذن ليست مقصودة لذاتها ، ولكنها مجرد وسيلة لتحقيق هذا التواصل ، ومن ثم فإنها تقف عند حدود المعنى الحرفي ، وإذا فارقت اللغة في الاستعمال التواصلي اليومي المعنى الحرفي فإن هذا يترتب عليه شيء من الإرباك ، فترانا نسأل المتكلم ماذا تقصد بقولك ؟ ، وليس هذا الإرباك إلا نتيجة لتحميل اللغة معاني مضمنة فوق المعنى الحرفي ، من معاني اللوم والتوبيخ والاعتراض والحث وغيرها مما يدخل في ضرورة الوقوف على السياق لمعرفة قصد المتكلم مما يقول ، ثم إن هذه المعاني الإضافية المضمنة في القول تدخل باللغة في مستوى من مستويات الاستعمال البلاغي حتى لو كانت عامية .

وتأسيساً على هذا نقول : إن اللغة في الاستعمال البلاغي تتجاوز المعني الحرفي لإنتاج معاني مضمنة ، هي ما أطلق عليها عبد القاهر معنى المعنى ، أو المعاني الثواني ، ونظرية معنى المعنى هي من أهم ما أُثر عن عبد القاهر الجرجاني في مناقشته لخواص تراكيب البلغاء ، ومن هنا ننتقل إلى السؤال الثاني : هل تتفق الظاهرة البلاغية في أنواع الخطاب جميعها ؟ أي هل تتفق الظاهرة البلاغية في الشعر والخطابة والرسائل والحديث النبوي الشريف والقرآن الكريم ؟

ونعود إلى التأكيد على ما قلناه في مستهل الإجابة عن السؤال الأول عن تعلق خصوصية الاستعمال البلاغي واختلافه عن الاستعمال التواصلي اليومي المباشر بالغاية من الكلام ؛ لأن التفريق بين الاستعمال البلاغي في أنماط الخطاب المختلفة يتعلق أيضاً تعلقاً وثيقاً بغايات الخطاب ، ومن ثم فإن السؤال الذي ينطلق منه البحث البلاغي في القرآن الكريم يتعلق أولا بالغاية ويتعلق ثانياً بالكيفية ، فالغاية تحدد لنا غرض البحث البلاغي ، والكيفية تحدد لنا كيفيته ، وتفصيل ذلك على النحو التالي ومن الله المنة وعليه التوكل وبيده الفضل ونعوذ به تعالى من حرمان التوفيق :

أما فيما يتعلق بالغاية فقد أشرنا في كتاب : " مقدمة في نظرية البلاغة النبوية " إلى أن " وضْعَ الباحثِ نصب عينية الغايةَ من الخطاب الذى يمثل مادة التحليل الذى يقوم به يُعَدُّ أحدَ أهم المبادئ النظرية التي تؤسس لعملية تحليل دقيقة ؛ لأن مراعاة هذه الغاية يحدد للباحث عن أي شيء يبحث ؟ ومن ثم يحدد له الغاية من عملية التحليل البلاغي الأسلوبي التي يقوم بها " [6] ، أؤكد على هذا القول لأنه ـ في ظني ـ من أهم أعمدة منهج البحث البلاغي بشكل عام ، فإذا ما انتقلنا إلى تأمل الغاية من القرآن الكريم ،فإنه من المؤكد الذي لا يختلف عليه اثنان أن الغاية الأم للقرآن الكريم هي التمكين لدينٍ في الأرض ، وأن الاستعمال الخاص للغة هو وسيلة هذا التمكين ، وهذا التمكين يأتي على مستويات متعددة :

ـ فمنها التمكين للدين وللقرآن نفسه في نفس الإنسان المكلف بتلقي الرسالة وتبليغها .

ـ التأكيد على الموقف المحايد المكلف بالرسالة من الرسالة في تلقيها وتبليغها .

ـ تأديب الرسول صلى الله عليه وسلم المكلف بالتبليغ وبيان كيفية التبليغ ، ومنهج الدعوة .

ـ تحديد موقفه من الذين استجابوا وممن لم يستجيبوا .

ـ دعوة غير المؤمنين بالدين بالخطاب المباشر .

ـ دعوة غير المؤمنين بالخطاب عن طريق الرسول بمقول قول الأمر بالفعل : قل .

ـ دعوة الذين أسلموا والذين آمنوا إلى مقتضيات ما أسلموا له وما آمنوا به .

وبذلك نرى أن هذه الأمور مجتمعة من مقتضيات النفس البشرية تمثل تحدياً للنص ، ومن ثم يأتي البحث في كيفية أداء هذا الاستعمال الخاص للغة أحد أهم الأصول النظرية لمعالجة بلاغة النص القرآني .

ثم إن القرآن الكريم إلى جانب هذا خطاب متعدد الأبعاد :

ـ البُعد الإعجازي

ـ البُعد التعليمي

ـ البعد الحجاجي

ـ البعد الجمالي

         وهو في تحقيق هذه الأبعاد خطاب مركب معقد ؛ إذ لا تنفصل غاية عن أخرى ، فصياغة ما يحقق البعد التعليمي ينطوي في الوقت نفسه على البعد الإعجازي كما ينطوي على البعد الجمالي ولا ينفصل عن البعد الحجاجي ، ولكن على الغرم من غائية البُعدين الحجاجي والجمالي فإنهما دون مستوى غائية البُعد الإعجازي ، لأن الُعد الحجاجي ليس غاية مطلقة ولكنه لا يلبث أن يتحول إلى وسيلة تمكينية ، تتغيا بدورها التمكين حقائق عنيفة الوقع في نفوس المتلقين على مختلف مستوياتهم ، ثم إن البُعد الجمالي لا يلبث أن يتخلى عن غائيته ليتحول إلى وسيلة تسويغية تحقق بُعداً تواصلياً ، إن البحث في هذه الأبعاد جميعاً أو فرادى بحث مشروع ومبرر معرفياً ، بيد أن البحث في إحدى هذه الغايات على أنها الغاية التي ليس وراءها غاية يفتقر إلى المشروعية ، ومن ثم يخطئ من يقارب النص القرآني بحثاً عن الغاية الجمالية فقط ؛ لأنه بذلك يختزل النص ـ بقصد وبغير قصد ـ إلى غاية إمتاعية خالصة ، ولا أرى هذا المسلك مبررا إلا عند غير المسلمين المؤمنين بالقرآن كتاباً معجزاً من عند الله ، فهم الذين يسوغ لهم النظر إلى القرآن على أنه نص فني جمالي .

 

إن الخطاب القرآني مواجهٌ بصعوبات وتحديات هو الموجد لها وليست مفروضة عليه ، وليس ثم من شك في أن هذه الصعوبات والتحديات منشؤها الغاية من الخطاب ، ومن أخطر هذه الصعوبات والتحديات ما يلي :

ـ صعوبة تتعلق بالبُعد الغيبي وذلك بإقرار حقائق غيبية في النفوس ، إذ ليس من اليسير أن يؤمن الإنسان بشيء لم يره فهو يقع خارج عالم الشهادة ، ومن ثم نجد التأكيدات والظواهر البلاغية التي تدعم الحجة لتأخذ سبيلها إلى التمكن من النفوس ، وذلك بما يحمل من يحمل من الدعوة للتوحيد ، والدعوة للإيمان بالغيب : اليوم الآخر ، الملائكة ، والإخبار عن الغيب في الماضي وفي المستقبل فيما يتعلق بالقيامة والجزاء ، والأمر في الحقيقة لا يقف عند حدود الإقناع لغير المؤمنين ، بل يتعدى هذا إلى حمل المؤمن على تمثل بعض هذه الأمور الغيبية وتصورها في ذهنه .

ـ صعوبة تتعلق بالدعوة إلى التخلي عن معتقد ، فإن الغاية في هذه الحالات وأمثالها إنما هي في الحقيقة نزع معتقدات وقَرَتْ في القلوب وسكنت في النفوس وتوارثها الحاضرون الشاهدون عن آباء لهم عندهم إعزاز يصل إلى القداسة في مجتمع قبلي يتخذ من الانتماء دستوراً للحياة ، ثم إقرار عقيدة بديلة في هذه القلوب ذاتها .

ـ صعوبة تتعلق بديمومة التواصل ، على مختلف الأزمان وتفاوت الأعصار ، وتباين الوعي باللغة من المتلقين الذين هم أبناء اللغة نفسها ،

ـ صعوبة تتعلق بمقاومة نوازع النفس البشرية بإحلال سلوك بشري محل سلوك بشري آخر نحو :

* التخلي عن نوازع النفس في الاستمساك بالرأي الفردي .

* التخلي عن الملكية الفردية لصالح الجماعة ( الزكاة الصدقة الكرم ) .

* التخلي عن متطلبات النفس البشرية التي تتفاوت من ترك راحة البدن بالنهوض إلى الصلاة ليلا ونهاراً ، ثم لتبلغ أقصاها في الجهاد والأمر بالقتال ، والإقناع ببذل النفس والتهيؤ للقتل .

* التخلي عن متطلبات النفس البشرية بالامتثال للنهي عن المحرمات ، ففيما يتعلق بالمال : البخل ، الظلم ، أكل المال ( اليتيم ) ، الربا ، الغش ، الاستغلال والاحتكار ، وغيرها.

* التخلي عما وقر في النفس البشرية من نوازع الثأر ، بل التخلي عن القصاص المشروع بالتأسيس للتسامح والعفو .

 

فكيف يمكن لهذا الاستعمال الخاص للغة في الخطاب القرآني أن يتغلب على هذه الصعوبات ، ثم يحقق النتيجة التي نزل من أجلها ؟

كيف يمكن لهذا الاستعمال الخاص للغة في النص القرآني أن يحتفظ لا نقول بتواصله اللغوي بل بتواصله الإعجازي ، وإقراره الحقائق في النفوس والتمكين لها في القلوب ؟ فلا نقول كيف حقق التواصل مع الذين نزل على مقربة زمانية مكانية منهم ، ولكن كيف يحقق التواصل عبر الزمان والمكان ؟

ليس ثم من شك في أن هذا الاستعمال الخاص للغة يتطلب من دارسي البلاغة التأهب لخصوصية في الرؤية تتناسب مع خصوصية الخطاب .

ومن هنا نقول بالتنبه إلى وضع الأصول النظرية والقواعد التنظيرية لدراسة البلاغة القرآنية ، على ألا تكون هذه الأصول والقواعد مجرد قيود معيارية للرؤية البلاغية للنص القرآني ، ولكنها تأتي بمثابة المبادئ العامة التي تستوعب الرؤى الخاصة ، ولا تتنكر للعبقرية الفردية في المعالجة البلاغية للنص القرآني ، أي لا تتجاوز الشرطين اللذين نقول بهما دائما : المرونة والنسبية .

ليس ثم من شك في أن هذه الغايات بحاجة إلى خطاب يتحقق به هذا التهيؤ الذي يتنافى مع متطلبات النفس البشرية .

ومن الحقائق التي تتعلق بالخصوصية والمرونة معاً فيما نقول به في المنطلقات النظرية لدراسة البلاغة القرآنية أن هذه الخصوصية ليست للنص القرآني لانفراده بخصائصه عن أنماط الخطاب المختلفة ، ولكنها أيضاً خصوصية تتعلق بالبُعد البلاغي الواحد بين السياقات المختلفة في النص القرآني نفسه ، فثم سياقات داخلية تنفصل عن بعضها البعض انفصالا جزئياً يتعلق بالمناسبة أو يتعلق بالمخاطب أو بالمخاطبين ، ولا يرجع هذا إلى أن خطاب المشركين والكافرين يختلف عن خطاب المؤمنين فقط ولكن هذا الاختلاف يتعلق أيضاً بمخاطبة درجتين متباينتين من المؤمنين ، وسأقف بك على ثلاث صور من الاختلافات السياقية التي يتبعها اختلاف في الظواهر البلاغية :

1 ـ اختلاف التراكيب في معالجة الموضوع الواحد من سياق إلى آخر ، ونعني به رصد المتغيرات الأسلوبية تبعاً لتغير السياق .

2 ـ اختلاف الأمثال المتشابهة التي تعالج قضايا متقاربة من سياق إلى آخر في العناصر المكونة للمشبه والمشبه به ، وكذا في التراكيب النحوية .

3 ـ اختلاف القصة الواحدة من سياق إلى آخر في المشهد المختار من القصة ، وكذا في أسلوب عرض هذا المشهد من القصة من حيث الطول والقصر ، ومن حيث أساليب العرض ، وما يتعلق بتكرار بعض المشاهد في السياقات المختلفة .

ويراعي المنهج في هذا البُعد خصوصية السياق ، فمستويات وسائل التأثير الأسلوبية البلاغية مرتبطة بالسياق والغاية ، ومن ثم فإن السمات الأسلوبية الخاصة هي سمات سياقية ، نعني بهذا أن رصد هذه السمات وتحليلها إنما يكون على هدي من غاياتها السياقية التي تتحدد بالإنسان المقصود بالمخاطبة ، كما تتحدد بالمقتضى ( التعليمي أو الإقناعي ) المقصود من المخاطبة ، أي بالقضية التي تمثل موضوع الخطاب ، وثم ثلاثة دوائر سياقية نأخذها في حسابنا :

ـ دائرة سياق الموقف والموضوع داخل السورة .

ـ دائرة سياق السورة .

ـ دائرة السياق القرآني كله .

ـ سياق ترتيب المصحف بوصفه سياقاً لغوياً عاماً .

ـ سياق ترتيب النزول بوصفه سياقاً خارجيا يرتبط بأسباب النزول .

إن القرآن الكريم حجة مركبة ، ربما لا أجد حرجاً إذا قلت حجة معقدة أشد تعقيد ولكنها محكمة أشد إحكام ، الخطاب هو ضمنياً يحمل عدة رسائل ، يحمل عدة مستويات حجاج أي عدة مستويات للإقناع ، فالقصص والحوارات المحكية تتوزع بين رسائل وغايات :

ـ الغاية التمكينية وتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بالقصة نفسها .

ـ الصياغة نفسها صياغة معجزة ، أي هذا الكلام بهذه الطريقة ، بهذا الأسلوب والكيفية في النظم يحمل رسالة أخري ، أولا للنبي صلى الله عليه وسلم ، غايتها التمكين لحقيقة القرآن وإعجازه في نفسه .

ـ لا ننسى أن الصياغة القرآنية بشكل عام ومطلق للتحدي إذ يتحقق الإعجاز فيها ، فهي رسالة للناس كافة .

ـ إن الصياغة تؤدي دوراً سياقياً ، متوائماً مع موضوعات السورة وأهدافها بوصفها سياق . وضمن السياق الأكبر ( القرآن الكريم ) .

ـ ثم إنها في الوقت نفسه تؤدي دوراً سياقياً يتعلق بالنزول توقيتاً وأسباباً .

 ولا يقتصر هذا على القصص بل نجد هذا أيضاً في الآيات التشريعية ، فكيف تكون الرسائل مركبة ومن ثم الحجة :

ـ رسالة التمكين لحقائق في نفوس المسلمين تتعلق بالأحكام والشرائع .

ـ رسالة التأكيد على إحكام الصياغة وطواعيتها ضمن المنظومة التشريعية .

ـ رسالة لغوية على درجة خاصة من البلاغة تحقق البُعد الجمالي .

ـ هذه الرسالة اللغوية نفسها تبلغ درجة أعلى هي درجة الإعجاز .



[1] عبد القاهر الجرجانى : دلائل الإعجاز ، تحقيق محمود محمد شاكر ، ط 2 الخانجى ، القاهرة 1989م ص 8 ، 9

[2] د.عيد بلبع : مقدمة في نظرية البلاغة النبوية ص

[3] د. محمد العمري : في بلاغة الخطاب الإقناعي مدخل نظرى وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية ، ط 2 دار أفريقيا الشرق المغرب 2002م ص 20

[4] وأحيل إلى ما ذكرته في كتاب " مقدمة في نظرية البلاغة النبوية تمهيد الباب الثالث في القسم النظري الذي فرقت فيه بين بلاغة الخطاب الشعري وخطاب الحقيقة .

[5] مالك بن نبي : مشكلات الحضارة ، الظاهرة القرآنية ، ترجمة د. عبد الصبور شاهين ، مقدمة د. محمد عبد الله دراز ، دار الفكر المعاصر ، بيروت لبنان ، دار الفكر ، دمشق سوريا 2000م ص 10 ، 11

[6]  مقدمة في نظرية البلاغة النبوية